افراح شوقي/ متابعة الرافد

ماذا يحدث عندما تتحول الوسيلة التي يفترض أن تقرّب البشر من بعضهم إلى أداة لاستدراجهم واستغلالهم؟
لم يعد الاتجار بالبشر محصوراً في أساليبه التقليدية، بل دخل الفضاء الإلكتروني على خط الجريمة، من خلال الاستدراج والتجنيد والإعلانات الوهمية، ما جعل اكتشافها وملاحقتها أكثر تعقيداً، وطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى قدرة المنظومات والمواثيق والبروتوكولات والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالبشر على مواكبة هذه الأساليب الجديدة وتحويل التزاماتها القانونية إلى حماية فعلية للضحايا.
هذه واحدة من القضايا التي نوقشت خلال الورشة السابعة في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، التي نظمها المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الذي تأسس عام 2000 في فرنسا. وخصصت الورشة هذا العام لموضوع مكافحة الاتجار بالبشر، وانعقدت في الفترة من 23 إلى 25 أيلول سبتمبر 2026، بمشاركة أكاديميين وباحثين وطلاب حقوق ووفود رسمية عربية.
وعلى مدى ثلاثة أيام، تنقلت النقاشات بين منظومات الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان، والتشريعات العربية والأوروبية، وأشكال الاتجار بالبشر ووسائل مكافحته وحماية ضحاياه، فضلاً عن مشاركات بحثية من داخل القاعة وعن بُعد، إلى جانب بحث الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان وصلتها بمكافحة الاتجار بالبشر.
رئيس المركز والأستاذ المحاضر في جامعة ستراسبورغ، د.محمد أمين الميداني، استعرض خلال محاضرته الأولى منظومات الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان وأدوارها، إلى جانب الاتفاقيات والمحاكم والآليات القانونية، متسائلاً عن قدرتها الحقيقية على حماية الإنسان فعلاً، وعن مدى فاعلية الآليات الدولية عندما لا تنعكس توصياتها على حياة الناس.
كما توقف الميداني عند آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR)، وهي آلية تابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تُراجع من خلالها أوضاع حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء بشكل دوري، وتقدم الدول الأخرى توصيات بشأن تحسينها. وركز في هذا السياق على أن الاختبار الحقيقي لهذه الآلية لا يتوقف عند تقديم التوصيات، وإنما يمتد إلى مدى تنفيذ الدول لها وتحويلها إلى إجراءات وقوانين تحسن واقع حقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، أشار الميداني إلى ما وصفه بوجود عزوف من بعض الدول العربية عن التوقيع أو التصديق على بعض المواثيق الدولية والإقليمية، وتوقف عند ما يراه ثغرات في الميثاق العربي لحقوق الإنسان، متسائلاً عن مدى فاعلية الآليات الدولية عندما لا تنعكس توصياتها على حياة الناس، وعن الفجوة بين وجود هذه الآليات وتأثيرها الفعلي في المجتمعات العربية.
وفي حديثه عن ارتفاع جرائم الاتجار بالبشر، شدد الميداني على أن الجريمة لم تعد تأخذ أشكالها التقليدية وحدها، وإنما تتطور باستمرار، وهو ما يجعل اكتشافها وتشخيصها وملاحقتها أكثر تعقيداً.
وأشار إلى توسع استخدام التكنولوجيا والفضاء الإلكتروني في هذا النوع من الجرائم، وتحول الوسائل الرقمية إلى أدوات للاستدراج والتجنيد، ومنها الإعلانات الوهمية وعروض العمل، فضلاً عن استخدامها في الابتزاز وممارسة السيطرة على الضحايا، وهو ما يفرض تحديات جديدة أمام أجهزة إنفاذ القانون، ويستدعي إعادة التفكير في وسائل حماية الضحايا، خصوصاً مع قدرة المتاجرين على الوصول إلى الضحايا عن بُعد وإخفاء آثار الجريمة.
وتوقف الميداني عند المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، مشيراً باعتزاز إلى وجود قضاة عرب ضمن تشكيلتها القضائية، في دلالة على الحضور العربي في إحدى آليات الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان في أفريقيا.
المشاركة العراقية
المشاركة العراقية في الورشة جاءت من خلال بحث قدمته الإعلامية أفراح شوقي تحت عنوان «الاتجار بالبشر في العراق: بين التشريعات القانونية وحماية الضحايا»، استعرضت فيه النصوص القانونية المعتمدة حالياً في مكافحة الاتجار بالبشر، وتوقفت عند مفارقة لافتة في الأرقام المعلنة من قبل المؤسسات المعنية، تتمثل في ارتفاع أعداد الموقوفين على خلفية قضايا الاتجار بالبشر، مقابل محدودية أعداد الضحايا المسجلين، وما يمكن أن تكشفه هذه الفجوة عن صعوبة التعرف إلى الضحايا والإبلاغ عن حالات الاتجار.
كما تناول البحث أشكالاً مستجدة من الاستدراج والاستغلال، مستشهداً بقضية الفنان العراقي حسين التركي، الذي تداولت قصته على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي قيل إنه سافر إلى روسيا بناءً على عقد للعمل في المجال الفني، قبل أن يجد نفسه في الخدمة العسكرية الروسية وعلى جبهة الحرب في أوكرانيا، في واقعة أثارت أسئلة حول أساليب الاستدراج الجديدة ومصير من يقعون في مثل هذه الظروف.
وخلص النقاش إلى أن مواجهة الاتجار بالبشر لا تتوقف عند تشديد العقوبات وملاحقة الجناة، بل تتطلب تطوير وسائل الوقاية، وتحسين آليات التعرف إلى الضحايا وحمايتهم وإنصافهم، ومواكبة الأشكال الجديدة للجريمة، ولا سيما تلك التي تستفيد من الفضاء الإلكتروني.
والجدير بالذكر أن العراق انضم على المستوى الدولي إلى عدد من المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالبشر، ومن بينها بروتوكول باليرمو، كما أقر عام 2012 قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم (28) لسنة 2012. ويجري حالياً بحث مقترح لتعديل القانون في مجلس النواب العراقي، وقد أُجريت القراءة الأولى لمقترح التعديل في 25 تموز يوليو 2026.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الاتفاقيات التي التزم بها العراق، بقدر ما يتعلق بمدى انعكاس هذا الالتزام على التشريع الوطني، وحماية الضحايا، وتوفير المساعدة القانونية والنفسية والطبية، وإعادة الإدماج والإنصاف، والممارسة الفعلية في مكافحة الجريمة وملاحقة مرتكبيها.
وفي السياق ذاته، استعرضت طالبة الدكتوراه في القانون الدولي الباحثة تقوى سعيدان، التجربة التونسية في مكافحة الاتجار بالبشر، وتناولت في مداخلتها أبرز التشريعات التونسية الأخيرة المتعلقة بمكافحة الجريمة، مشيدة بما حققته من تطور وحداثة في الإطار القانوني.
كما أُلقيت خلال الورشة عدة محاضرات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية حول مكافحة الاتجار بالبشر والأنظمة الإقليمية لحماية حقوق الإنسان، كما نُظمت زيارات إلى مجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي.
وحضر الورشة عدد من المشاركات والمشاركين من العراق وتونس والجزائر ولبنان وعُمان وسورية والمغرب ونيوزيلندا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية
مايذكر ان اعمال الورشة أقيمت في المدرسة الإقليمية للمحامين في منطقة شرق فرنسا الكبرى (ERAGE)، وهي مؤسسة تُعنى بالتكوين المهني للمحامين وإعداد أجيال جديدة من الكوادر القانونية. ويكتسب اختيار ستراسبورغ مكاناً للورشة أهمية خاصة، لما تتمتع به المدينة من حضور أوروبي وحقوقي، وارتباطها بعدد من المؤسسات الأوروبية الكبرى.
