من ساحات المعاهد الثانوية إلى شوارع باريس، عكس يوم التعبئة في العاصمة الثلاثاء، على غرار مختلف أنحاء فرنسا، تعدد المطالب الاجتماعية، والتي تمثلت أساسا في تحسين ظروف الدراسة وتدارك نقص الموارد مرورا برفع الأجور ودعم القدرة الشرائية. وتأتي التعبئة قبل عرض مشروع موازنة 2027 أمام مجلس الوزراء، المقرر الخميس، فيما تضع النقابات من القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام ضمن أبرز مطالبها.
منذ الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، بدت آثار التعبئة واضحة أمام عدد من المعاهد الثانوية في منطقة باريس، حيث تجمع طلاب للاحتجاج على أوضاعهم الدراسية، في يوم تزامن مع إضراب واسع همّ القطاع العام في مختلف أنحاء فرنسا.

في ثانوية موريس جونفوا بمونروج، ضواحي باريس، بدأ التلاميذ منذ الثامنة والنصف صباحا في التجمع أمام المؤسسة، وسط ترديد شعارات تطالب بتحسين ظروف الدراسة وتوفير مزيد من الإمكانات.
وعلى البوابة الرئيسية، علق التلاميذ لافتات تلخص بعض مطالبهم، فيما انتشرت قوات الأمن في محيط المؤسسة.
“جئنا للمطالبة بحقوقنا”
تقول التلميذة زينب، إن التحرك جاء “أولا، للمطالبة بحقوقنا، ولكن أيضا لدعم الثانويات الأخرى التي تعمل في ظروف أسوأ بكثير من ظروفنا”.

وتعدد زينب بعض ما تصفه بمشكلات مزمنة يومية داخل المؤسسة فتقول “25 دقيقة فقط لتناول الغداء، وأيام دراسية تنتهي في السادسة مساء، ودروس يوم السبت”، كما تشير إلى “غياب ممرضة مدرسية منذ بداية السنة، وغياب أستاذ اللغة الفرنسية، رغم اقتراب امتحان المادة”.
وتضيف “نتساءل لماذا تتراجع النتائج، بينما لا توفر لنا الوسائل اللازمة للعمل، ولا يتم تعويض الأساتذة الغائبين”.
من جهتها، تتحدث ماري، تلميذة أخرى، عن ضغط الجدول الدراسي، قائلة إن يوم الخميس مثلا “يمتد من الثامنة والنصف صباحا إلى السادسة وعشر دقائق مساء، مع 25 دقيقة فقط للاستراحة وقت الغداء”.
تقول إن التلاميذ قد يخضعون لثلاثة اختبارات على الأقل خلال اليوم، ثم يعودون إلى منازلهم للتحضير أحيانا لأربعة اختبارات في اليوم التالي”.
أما يوم السبت، فتشير ماري إلى أن الدراسة “تمتد أربع ساعات، وأن جميع الأقسام تقريبا معنية بذلك باستثناء قسمين”.
“نقص الموارد واكتظاظ الأقسام”
تأتي هذه التحركات بدعوة من اتحاد نقابات تلاميذ الثانويات “USL”، الذي دعا إلى إغلاق المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء البلاد، بعدما توسعت التحركات التي بدأت في عدد من ثانويات منطقة باريس.
ويتركز جزء من مطالب التلاميذ على نقص الموارد، واكتظاظ الأقسام، ونقص المدرسين والموظفين، بمن فيهم الممرضون المدرسيون ومساعدو التعليم.
وبحسب معطيات وزارة التربية عند منتصف النهار، كانت التحركات قد طالت 316 مؤسسة تعليمية، بينها 40 ثانوية مغلقة بالكامل، فيما كانت محاولات إغلاق جارية في 44 مؤسسة أخرى.
كما أعلنت الوزارة عن 40 عملية توقيف مرتبطة بالتحركات في الثانويات في مختلف أنحاء فرنسا، وعن إصابة ما لا يقل عن عشرة أشخاص بين التلاميذ والعاملين في المؤسسات التعليمية.
أمام ثانوية موريس جونفوا، حضر لوران كانديل، النائب الأول لعمدة بانيو، إلى جانب التلاميذ، “لدعم مطالبهم المتعلقة بتحسين ظروف الدراسة”، مشيرا من جانبه إلى “النقص الحاصل في صفوف المدرسين والممرضين”.
ويرى كانديل أن الأولوية “يجب أن تكون للحوار والاستجابة لمطالب التلاميذ، منتقدا ما وصفه بـ”القمع” الذي شهدته بعض الأماكن. كما يوضح أن مدير الثانوية نفسه، لم يكن يريد، في البداية، حتى استقبال التلاميذ”، مضيفا أنهم “يريدون الحوار ولديهم مطالب يريدون طرحها والدفاع عنها”.
يوم تعبئة شاملة قبل مشروع الموازنة
ولا يقتصر التحرك على التلاميذ فقط. فمنذ الصباح، شهد القطاع العام إضرابا واسعا بدعوة من ثماني نقابات على رأسها “الاتحاد العام للعمل “سي جي تي”، والقوة العمالية “إف أو”، والاتحاد الديمقراطي الفرنسي للعمل “سي إف دي تي”، والاتحاد الوطني للنقابات المستقلة “أونسا”.
ونظمت النقابات أكثر من 170 مظاهرة وتحركا في مختلف أنحاء فرنسا، للمطالبة خصوصا برفع أجور موظفي القطاع العام ورفض تجميد مؤشر الأجور، إضافة إلى توفير الموارد اللازمة للخدمات العامة.
وتأتي التعبئة قبل عرض مشروع موازنة عام 2027، المقرر الخميس، فيما تجعل النقابات من القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام أحد أبرز مطالبها.
وبحسب وزارة التربية، بلغ متوسط نسبة المضربين من المدرسين الثلاثاء 13.71%، فيما تجاوزت النسبة 27% لدى موظفي الحياة المدرسية، من مساعدين تربويين ومستشارين تربويين.
“تحسين ظروف العيش والعمل”
مع اقتراب الساعة الثانية بعد الظهر، انتقلت التعبئة من محيط المؤسسات التعليمية إلى وسط العاصمة.
من ساحة الجمهورية بالدائرة 11، انطلقت المسيرة الرئيسية لموظفي القطاع العام باتجاه ساحة الأمة، مرورا بالباستيل. وشارك فيها متظاهرون من نقابات عمالية مختلفة، إلى جانب طلاب وتلاميذ.
وعلى امتداد شارع “فيي دو كالفير”، توالت الحشود حاملة لافتات ورافعة شعارات ضد غلاء المعيشة، والتمييز والعنصرية، وأخرى تطالب بالمساواة وتحسين ظروف العيش والعمل. كما رفعت شعارات سياسية تطالب برحيل الرئيس إيمانويل ماكرون وتنتقد سياساته.
من بين المشاركين أليكسيس دوريه، وهو ناظر في ثانوية بول إيلوار وطالب في جامعة باريس 8، يقول إن مشاركته مرتبطة بالدفاع عن “ظروف دراسة أفضل”، وبمعارضة ما يصفه بـ”التمييز الاجتماعي والعنصري في الجامعة”، إضافة إلى “التضامن مع تلاميذ الثانويات الذين تحركوا خلال الأيام الماضية”.
ويتحدث كذلك عن أحداث وقعت، بحسب روايته، في ثانوية بول إيلوار بضاحية سان دوني الباريسية التي كانت من أولى المناطق التي شهدت مظاهرات طلابية، قائلا إن “عمليات إغلاق شهدتها المؤسسة قوبلت بقمع شديد من الشرطة”. ويضيف أن أحد التلاميذ “غادر بإصابة في الجمجمة عقب عملية تفتيش من الشرطة”، وقال إن “عددا من التلاميذ تعرضوا للعنف داخل مركز شرطة سان دوني”.

في هذا السياق، يؤكد دوريه أن المشاركين يريدون من خلال حضورهم في المسيرة “إظهار تضامنهم مع التلاميذ والمطالبة بالإفراج عن الموقوفين”.
فئة أخرى شاركت بكثافة في مسيرات اليوم، تمثلت في المتقاعدين، إذ يقول أحدهم ممن كانوا يتقدمون إحدى المظاهرات، وهو متقاعد، إنه جاء أيضا “للدفاع عن نظام تقاعد عادل، كما أبدى اعتراضه الشديد على “اقتطاع ستة مليارات يورو من المعاشات”، ويربط هذا المبلغ “بالزيادة المخصصة لميزانية الدفاع”.
من الثانويات التي يطالب طلابها برصد مزيد من الإمكانيات وتوفير موارد إضافية، إلى موظفين يحتجون على الأجور وظروف العمل، وصولا إلى رجال الإطفاء، جمعت تعبئة الثلاثاء مطالب متعددة داخل حركة احتجاجية واحدة، فيما يبقى الاختبار التالي أمام الحكومة مع بدء النقاش حول موازنة العام المقبل.
