قد يبدأ الأمر بانفجار على الشمس، لكنه لا ينتهي هناك. فالتوهج الشمسي أو الانبعاث الإكليلي الكتلي يمكن أن يطلق جسيمات ومجالات مغناطيسية في رحلة تمتد عبر الفضاء، وقد يصل بعضها إلى الأرض ليضغط مجالها المغناطيسي ويثير عاصفة جيومغناطيسية تؤثر في تقنيات تعتمد عليها الحياة الحديثة.
هذه الرحلة هي التي يحاول الفيزيائي والمهندس العراقي عمر الباز، عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك، وضعها أمام المستخدم العربي في صورة مترابطة، من خلال برنامج أطلق عليه “الدرع الشمسية” (ALBAZ Solar Shield)، لمراقبة النشاط الشمسي والطقس الفضائي وربط مراحله بصريا وعلميا.
ويقول الباز إن فكرة البرنامج تقوم على تقديم المعلومات المعقدة المتعلقة بالشمس والرياح الشمسية والعواصف الجيومغناطيسية بطريقة بصرية وعلمية يسهل فهمها ومتابعتها، بحيث لا يرى المستخدم أرقاما منفصلة، بل صورة مترابطة لما يحدث بين الشمس والأرض.
وهنا تكمن فكرة المشروع، فبدلا من أن يبحث المستخدم عن حالة الشمس في مكان، والرياح الشمسية في مكان آخر، والمؤشرات الجيومغناطيسية في موقع ثالث، يحاول “الدرع الشمسية” جمع أجزاء القصة في واجهة واحدة.
رحلة تبدأ بانفجار على الشمس
الطقس الفضائي هو التغيرات التي تحدث في البيئة الفضائية القريبة من الأرض بسبب نشاط الشمس. والشمس ليست جسما ساكنا، بل نجم نشط يطلق باستمرار الرياح الشمسية، وهي تدفق من الجسيمات المشحونة، كما يشهد سطحها وطبقاتها الخارجية توهجات وانفجارات يمكن أن تصاحبها انبعاثات إكليلية كتلية تقذف البلازما والمجالات المغناطيسية إلى الفضاء.
لكن خروج هذه المادة من الشمس لا يعني بالضرورة أنها ستصل إلى الأرض. فالاتجاه الذي تتحرك فيه، وخصائصها، والمجال المغناطيسي المحمول معها، كلها عوامل تحدد ما إذا كان الاضطراب سيتفاعل مع البيئة المغناطيسية لكوكبنا.
ولهذا يتابع البرنامج مجموعة من المتغيرات بدلا من الاعتماد على رقم واحد، من بينها سرعة الرياح الشمسية وكثافتها وخصائص المجال المغناطيسي الذي تحمله. فعندما تصبح الظروف مناسبة، يمكن أن تنتقل كمية أكبر من الطاقة من الرياح الشمسية إلى الغلاف المغناطيسي للأرض.
والغلاف المغناطيسي هو المنطقة التي يهيمن فيها المجال المغناطيسي للأرض على البيئة المحيطة بالكوكب. ويمكن تشبيهه بفقاعة مغناطيسية ضخمة تحرف جزءا كبيرا من الجسيمات الشمسية المشحونة، لكنها ليست ثابتة؛ إذ تنضغط من جهة الشمس وتمتد في الاتجاه المعاكس، وتتغير استجابتها بحسب الظروف القادمة من الشمس.
وعندما تنتقل طاقة كبيرة إلى هذه المنظومة، قد تحدث عاصفة جيومغناطيسية، وهي اضطراب واسع في المجال المغناطيسي للأرض. ولا تعني العاصفة بالضرورة خطرا مباشرا على الإنسان على سطح الأرض، لكنها قد تكون مهمة بالنسبة إلى الأقمار الاصطناعية والاتصالات والملاحة وأنظمة تحديد المواقع، وشبكات الطاقة الكهربائية في الحالات الشديدة.
لماذا لا يكتفي الموقع بعرض الأرقام؟
هنا ينتقل مشروع “الدرع الشمسية” (https://mralehsas.github.io/HELIOGUARD-ARABIA/) من مجرد عرض البيانات إلى محاولة تفسيرها. ويقول الباز إن القيمة الأساسية للبرنامج ليست في إظهار رقم أو مؤشر يمكن العثور عليه في مواقع علمية مختلفة، وإنما في جمع سلسلة الأحداث الشمسية والفضائية في نموذج واحد تسهل قراءته”.
فبدلا من أن يرى المستخدم سرعة الرياح الشمسية أو قيمة مغناطيسية منفردة، يحاول البرنامج أن يضعها داخل سياقها: ماذا حدث على الشمس؟ هل يوجد اضطراب متجه نحو الأرض؟ ماذا يحدث للرياح الشمسية أثناء وصولها؟ وكيف يستجيب المجال المغناطيسي للأرض؟
ويقدم البرنامج هذه العلاقة بطريقة بصرية تفاعلية، تظهر فيها الشمس والأرض واتجاه الرياح الشمسية والغلاف المغناطيسي، بحيث تتحول مفاهيم يصعب تصورها، مثل ضغط الرياح الشمسية أو تغير المجال المغناطيسي، إلى صورة أكثر سهولة.
ولا يقتصر الأمر على العواصف. فالشفق القطبي يمثل النتيجة الأكثر وضوحا للعين من هذه العلاقة؛ إذ تنتج أضواؤه عندما تتفاعل الجسيمات النشطة مع الغلاف الجوي، ويمكن للعواصف الجيومغناطيسية القوية أن توسع منطقة ظهوره إلى خطوط عرض أقل من المعتاد.
من الباحث إلى هاوي الفلك

صُمم برنامج “الدرع الشمسية” ليكون مفيدا لأكثر من فئة، فالطالب يمكنه استخدامه لفهم العلاقة بين الشمس والأرض، والهاوي يستطيع متابعة النشاط الشمسي والجيومغناطيسي ضمن إطار واحد، بينما يمكن للمتخصص استخدامه لقراءة الحالة العامة قبل الانتقال إلى البيانات والتحليلات الأكثر تفصيلا.
ويؤكد الباز أن الهدف النهائي هو تقريب علم الطقس الفضائي من المستخدم العربي وتقديمه بأسلوب علمي حديث، مع الحفاظ على الفرق بين القياس الفعلي والتحليل والتوقع. وهذا التفريق مهم لأن بيانات الطقس الفضائي لا تعني وحدها أن تأثيرا تقنيا سيحدث على الأرض، إذ تعتمد الآثار المحتملة على طبيعة الحدث وقوته واتجاهه والأنظمة التي يتفاعل معها.
بهذا المعنى، لا يقدم “الدرع الشمسية ” الشمس بوصفها مصدرا دائما للخطر، وإنما يحاول جعل العلاقة بين الشمس والأرض قابلة للرؤية والفهم: حدث يبدأ على الشمس، ينتقل عبر الفضاء، ثم يصل إلى البيئة المغناطيسية للأرض، حيث يمكن رصد استجابتها.

