عشرات الجنسيات، وآلاف الموقوفين، وأطفال لم يبلغ بعضهم سن الرشد بعد، يمثلون اليوم الاثنين أمام القضاء العراقي في واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية.
يأتي ذلك وسط تحذيرات حقوقية من أن أي خلل في إجراءات المحاكمة قد يقود إلى نتائج لا يمكن تداركها، بينها أحكام بالإعدام.
العدد ضخم: 5704 أشخاص من 67 دولة، بينهم 157 قاصرا على الأقل. بعضهم أمضى سنوات محتجزا من دون تهمة أو محاكمة، قبل أن يُنقل خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط الماضيين إلى العراق، حيث بدأت محاكماتهم في 20 سبتمبر/أيلول، وتُستأنف جلساتها اليوم.
من مخيمات سوريا إلى المحاكم العراقية
ينتمي الموقوفون إلى المجموعة التي نُقلت من مراكز ومخيمات الاحتجاز في شمال شرقي سوريا، ويشتبه في ارتباط أفرادها بتنظيم الدولة الإسلامية.
وتضم المجموعة آلاف السوريين ومئات العراقيين، إضافة إلى مواطنين من 16 دولة عربية و19 دولة في الاتحاد الأوروبي و32 جنسية أجنبية أخرى.
وتقول السلطات العراقية إن المحاكمات ستجري بموجب قانون العقوبات العراقي وقانون مكافحة الإرهاب، بما يشمل اتهامات تتعلق بالانتماء إلى التنظيم أو دعمه. وهنا تبدأ المخاوف الحقوقية.
اعتراف قد ينتهي بالإعدام

تحذر منظمة العفو الدولية من أن محاكمات بهذا الحجم لا يجوز أن تتحول إلى ملاحقات جماعية تقوم على مجرد الانتماء أو الوجود في مناطق خاضعة للتنظيم، مطالبة بإثبات المسؤولية الجنائية لكل متهم بصورة فردية.
وتستند مخاوف المنظمة إلى ما تقول إنها وثقته في قضايا سابقة بالعراق، حيث اعتمدت محاكم على اعترافات قالت إنها انتُزعت تحت التعذيب وسوء المعاملة.
ومن الأساليب التي وثقتها المنظمة الضرب الشديد، والصعق بالكهرباء، وإجبار المحتجزين على أوضاع جسدية مؤلمة، والخنق، بهدف انتزاع إفادات تدين أصحابها.
وتزداد خطورة ذلك، بحسب أمنستي، لأن قانون مكافحة الإرهاب العراقي يجيز عقوبة الإعدام، حتى في قضايا قد ترتبط بمجرد العضوية أو تقديم الدعم لتنظيم محظور.
وتطالب المنظمة باستبعاد أي دليل انتزع بالتعذيب، والتحقيق في جميع ادعاءات سوء المعاملة، وضمان حصول كل متهم على محام ومترجم مؤهل ومحاكمة علنية.
وماذا عن الأطفال؟
وجود 157 قاصرا على الأقل بين الموقوفين يفتح ملفا أكثر حساسية. وتقول أمنستي إن كثيرا من الأطفال والشبان احتُجزوا شمال شرقي سوريا ضمن حملات احتجاز واسعة لم تفرّق -بما يكفي- بين الحالات الفردية، وإن بعض الفتيان فصلوا عن أمهاتهم في المخيمات عندما كانوا في سن 11 عاما.
وبحسب المعايير الدولية التي تستند إليها المنظمة، ينبغي التعامل مع الأطفال الذين جندتهم أو استخدمتهم الجماعات المسلحة بوصفهم ضحايا لانتهاكات، لا مجرد أعضاء في جماعة مسلحة.
وترى أن محاكمة شخص عن أفعال ارتكبها قبل سن الـ18 يجب أن تظل استثناء، وأن تقتصر على الجرائم الدولية أو الجرائم العنيفة الخطيرة، مع إعطاء الأولوية لإعادة التأهيل والاندماج، وعدم استخدام الاحتجاز إلا خيارا أخيرا ولأقصر فترة ممكنة. وتشدد على أن الطفل ينبغي ألا يُحاكم لمجرد ارتباطه بجماعة مسلحة.
سنوات بلا محاكمة
وقبل وصولهم إلى العراق, أمضى كثير من هؤلاء سنوات في مراكز ومخيمات احتجاز شمال شرقي سوريا بعد هزيمة تنظيم الدولة عسكريا.
وكان عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال محتجزين هناك من دون تهم أو محاكمات، في ظروف وصفتها أمنستي بأنها قاسية، شملت الاكتظاظ ونقص الغذاء وانعدام الرعاية الصحية وانتشار أمراض معدية مثل السل. وفي سجن “بانوراما” بمدينة الحسكة، تقول المنظمة إن تلك الظروف أسهمت في وفاة مئات الأشخاص.
وتأتي المحاكمات الجديدة في بلد ما زال ينفذ عشرات أحكام الإعدام سنويا. ففي عام 2024، أصدرت المحاكم العراقية أكثر من 200 حكم بالإعدام، ونُفذ ما لا يقل عن 63 حكما، أي نحو أربعة أضعاف العدد المسجل في العام السابق، بحسب أرقام أوردتها منظمة العفو الدولية.
وبعد تباطؤ مؤقت في التنفيذ عقب إقرار قانون العفو العام مطلع عام 2025، استؤنفت عمليات الإعدام في أوائل عام 2026.
