قضت محكمة ولاية نيو مكسيكو بتغريم إمبراطورية فيــسبوك مبلغاً قياسياً قدره 25 مليار دولار، بعد محاكمة استمرت أسبوعين أثبتت أن الشركة مارست الخداع المتعمد لعقود وبنت أرباحها على تضليل الرأي العام والمتاجرة ببيانات البشر، وقد اعتبر هذا الحكم سابقة هي الأضخم في تاريخ صناعة التكنولوجيا عالمياً.
وقد أكد القاضي الذي تولى ملف القضية فرانسيس ماثيو أن المراسلات الداخلية لفيسبوك تكشف عن مؤامرة موثقة صُممت فيها تصريحات كبار المسؤولين التنفيذيين، وفي مقدمتهم زوكــربيــرغ نفسه، لتضليل الجمهور وإخفاء حقيقة تسريب بياناتهم لشركات الاستشارات السياسية في فضيحة كامبريدج أناليتيكا التي تلاعبت بانتخابات الرئاسة الأمريكية.
الأخطر في إدانة هيئة المحلفين هو إثبات أن فيــسبوك ضللت العالم بشأن كيفية تربحها المالي المباشر من نشر وترويج محتوى خطاب الكــراهية، وتلاعبها بقواعد الرقابة والسياسات الداخلية لخدمة تدفق أموال الإعلانات، في مسار انحدرت فيه انتهاكات المنصة لتتجاوز أربعين مليون انتهاك صريح للقانون!
يأتي هذا الحكم ليقلص غرامة أولية كادت أن تبلغ مئتين وتسعة عشر (219) مليار دولار، وهكذا أُسقط القناع بالكامل عن المنظومة التي تتشدق ليل نهار بـ “معايير المجتمع” و”حماية المستخدمين”؛ وأثبت القضاء الأميركي أن الكذب يمثل جوهر النموذج التجاري لفـ.ـيسبوك.
غير أن هناك تفصيلا مهما في هذه القضية وهو أن هذا الحكم قابل للاستئناف، والشركة المدانة (ميتا) أعلنت عزمها الطعن فيه.
في التفاصيل نعلم أن هذه القضية تعود إلى فضيحة شركة (كامبرج أناليتكا)، التي كُشف عنها عام 2018، والمتعلقة بالحصول على بيانات شخصية لملايين مستخدمي فيسبوك واستخدامها في إعداد ملفات نفسية واستهداف إعلانات سياسية، من دون موافقة من المستخدمين.
وقد رفعت ولاية نيومكسيكو دعوى ضد فيسبوك عام 2021، متهمة الشركة بتضليل المستخدمين بشأن حماية بياناتهم الشخصية، وطريقة مشاركة تلك البيانات مع أطراف أخرى، فضلاً عن تصريحاتها المتعلقة بمكافحة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية.
-في 25 سبتمبر/أيلول 2026، خلصت هيئة المحلفين إلى وقوع 43,899,725 مخالفة لقانون حماية المستهلك في الولاية. ويسمح القانون بغرامة تصل إلى 5,000 دولار عن كل مخالفة متعمدة.
كان الحساب النظري للغرامة المتوقعة سيصل إلى نحو 219.5 مليار دولار، لكن القاضي خفّض المبلغ إلى 25 مليار دولار.
وهناك نقطتان مهمتان:
1-إنَّ الأموال ستذهب إلى ولاية نيومكسيكو، لا إلى الضحايا من مستخدمي هذه المنصة مباشرةً؛ وقد خُصّصت عائدات الغرامة لنظام التعليم في الولاية.
2-إن هذه القضية ليست حكماً بأن على ميتا دفع 25 مليار دولار لكل مستخدمي فيسبوك، بل عقوبة مدنية فرضتها الولاية بسبب مخالفات قانون حماية المستهلك.
الخلاصة المهمة في هذا الخبر هو أن هذه المنصة التي ملأت الدنيا ضجيجا حول نبذ خطاب الكراهية والاستقلالية والحفاظ على بيانات المستخدمين قائمة على النصب والاحتيال والكذب الصريح بدليل رسمي وقضائي من القضاء في دولة صاحب هذه المنصة (الولايات المتحدة) التي تفاخر بها كإنجاز قومي باهر!
وهكذا فإن هذه الشركات التي تنتهك القوانين وتعتدي على حقوق الناس الذين يستخدمونها فتجمع ثروات طائلة عن طريقهم وحين يحكم القضاء عليها بغرامة هي أقل كثيرا من الواجب دفعها، لا تعود أموال الغرامات لمستحقيها من المستخدمين أصحاب الحقوق بل إلى خزينة وموازنة الولايات وتخصص لبرامج التعليم التي هي من مسؤوليات الدولة!
ولمن لا يعلم فإنَّ ثروة مارك زوكربيرغ مؤسس الفيسبوك لن تتأثر كثيرا إذا غُرمت شركة ميتا فهي تبلغ حوالي 250 مليار دولار أمريكي، مما يجعله واحداً من أغنى 5 أشخاص في العالم. وترتبط معظم ثروته بحصته البالغة نحو 13% في شركة ميتا. إلى جانب مؤسسات استثمارية كبرى للصناديق الاستثمارية الأميركية. ونقلت الخبار قبل أسبوعين أن صافي ثروته ارتفع إلى نحو 266.4 مليار دولار، بعدما ارتفع سهم “ميتا” 4.5%، عقب إطلاق الوكيل الشخصي للذكاء الاصطناعي (Muse”)، وزيادة ثروة زوكربيرغ بنحو 25 مليار دولار في يوم واحد!
شركة ميتا نفسها لن تتأثر في قليل أو كثير من هذه الغرامة إذا ما علمنا أما رأسمالها السوقي (القيمة السوقية) لشركة يبلغ حوالي 1.78 تريليون دولار أمريكي (أي 1780 مليار دولار فهل تؤثر فيها غرامة بمبلغ 25 مليار؟!
