تعيش كرة القدم الإنجليزية عموما، ومانشستر سيتي خصوصا، على وقع تطورات متسارعة تتعلق بإدانة النادي في معظم التهم الموجهة إليه بشأن انتهاك قواعد اللعب المالي واللوائح المالية الخاصة بالدوري الإنجليزي الممتاز.
وكان موقع “ذا أثلتيك” (The Athletic) البريطاني قد أكد أن اللجنة المستقلة المعنية بالقضية أدانت مانشستر سيتي بارتكاب جميع المخالفات المالية تقريبا، باستثناء واحدة، في تطور أثار جدلا واسعا وأدخل كرة القدم الإنجليزية في حالة من الترقب بشأن التداعيات المحتملة للحكم، ولا سيما على الصعيد الرياضي.
وفي السطور التالية، نستعرض تفاصيل القضية منذ بدايتها، مرورا بأبرز محطاتها، وصولا إلى ما آلت إليه حاليا، والعقوبات والإجراءات التي قد تنتظر النادي خلال المرحلة المقبلة.
115 تهمة.. وإدانة في 114 منها
أسفر تحقيق بدأته رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز عام 2019 عن قائمة طويلة من الاتهامات التي وُجهت رسميا إلى مانشستر سيتي عام 2023، قبل أن تنتهي القضية بحكم من اللجنة المستقلة بإدانة النادي في 114 من أصل 115 تهمة.
ويضع هذا الحكم مانشستر سيتي أمام أزمة قانونية ورياضية ضخمة، خصوصا أن النادي فرض هيمنة لافتة على منافسات “البريميرليغ” خلال السنوات الأخيرة.
ولم يصدر النادي تعليقا رسميا مفصلا على الحكم، واكتفى مسؤولوه بالإشارة إلى أن “العملية لا تزال جارية، وإن هناك عناصر مهمة يجب استكمالها”.
وعندما وُجهت الاتهامات إلى النادي قبل أكثر من ثلاثة أعوام، أكد مانشستر سيتي امتلاكه “ملفا شاملا من الأدلة الدامغة” التي من شأنها تبرئته، إلا أن اللجنة المستقلة خلصت إلى إدانته بخرق القواعد المالية للدوري الإنجليزي الممتاز، قبل إبلاغ الأندية الـ19 الأخرى المشاركة في المسابقة بالقرار.
ومع ذلك، لا تزال طبيعة العقوبة التأديبية المنتظرة غير واضحة، إذ يعود إلى اللجنة المستقلة تحديد العقوبة، في وقت يستعد فيه مانشستر سيتي على الأرجح للطعن في الحكم واستئنافه.
ضبابية العقوبات
في ظل غياب إعلان رسمي بشأن العقوبات المحتملة، تدور تساؤلات واسعة بين جماهير مانشستر سيتي وأنصار الأندية المنافسة حول طبيعة التدابير التي يمكن أن تُفرض على النادي.
ومن بين أبرز السيناريوهات المطروحة: خصم النقاط، أو الغرامة المالية، أو الهبوط، أو حتى سحب بعض الألقاب التي حققها النادي خلال الفترة محل الاتهامات.
ويرى “ذا أثلتيك” أن القضية، بصرف النظر عن العقوبة النهائية، تفرض على مسؤولي النادي ومدربيه ولاعبيه وجماهيره مراجعة ما حدث، ومحاولة فهم الأسباب التي أوصلت مانشستر سيتي إلى هذه المرحلة.
ويطرح الموقع تساؤلا جوهريا بشأن طبيعة المخالفات، وما إذا كانت نتيجة أخطاء إدارية ومالية، أم أنها جاءت ضمن عملية متعمدة للتلاعب بالقواعد، وهي النقطة التي تشكل أحد المحاور الأساسية في القضية.
لماذا استغرقت القضية كل هذا الوقت؟
شكّلت المدة الفاصلة بين انتهاء جلسات الاستماع وصدور الحكم أحد أكثر جوانب القضية إثارة للتساؤلات، إذ امتدت لنحو 21 شهرا.
فبعد انتهاء جلسات الاستماع الأولية في ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت التوقعات تشير إلى إمكانية صدور الحكم بحلول نهاية موسم 2024-2025 على أبعد تقدير.
ويعود جانب كبير من هذا التأخير إلى ضخامة الملف، إذ كان على اللجنة المستقلة دراسة مئات رسائل البريد الإلكتروني والوثائق وجداول البيانات وغيرها من الأدلة المقدمة خلال القضية، فضلا عن التعامل مع 115 تهمة منفصلة.
كما أن ثقل مانشستر سيتي في المشهد الحديث للدوري الإنجليزي الممتاز، وحجم الأموال المرتبطة بالقضية، إلى جانب التداعيات المحتملة التي قد تتجاوز الجانب الرياضي، جعلت الملف أكثر تعقيدا.
ويضاف إلى ذلك تعدد الأطراف المرتبطة بالقضية، سواء من داخل المنظومة الكروية أو خارجها، وهو ما أسهم في إطالة الإجراءات وتعقيد عملية إصدار الحكم.
جوهر التهم الموجهة إلى مانشستر سيتي
رغم وصول عدد التهم إلى 115، فإنها تتركز في خمس فئات رئيسية من المخالفات المزعومة، مع تأكيد مانشستر سيتي طوال مراحل القضية رفضه لجميع الاتهامات الموجهة إليه.
وبحسب “ذا أثلتيك”، تتمحور التهم حول:
- 54 تهمة تتعلق بالتقاعس عن تقديم معلومات مالية دقيقة.
- 14 تهمة تتعلق بعدم تقديم تفاصيل دقيقة بشأن مدفوعات اللاعبين والمدربين.
- 7 تهم بخرق قواعد الربحية والاستدامة.
- 5 تهم تتعلق بعدم الامتثال للوائح اللعب المالي النظيف الخاصة بالاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”.
- 35 تهمة تتعلق بعدم التعاون مع تحقيقات الدوري الإنجليزي الممتاز.
العقوبات المحتملة
يُنظر إلى إدانة مانشستر سيتي باعتبارها تطورا بالغ الأهمية، نظرا إلى طبيعة الاتهامات وحجمها، وما تحمله القضية من تداعيات محتملة على أحد أبرز الأندية في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز خلال الحقبة الحديثة.
وبناء على القواعد المنظمة للمسابقة، قد تتراوح العقوبات المحتملة بين الغرامات المالية وخصم النقاط، وصولا إلى الاستبعاد أو الهبوط، كما قد تشمل تدابير أخرى، من بينها سحب ألقاب سبق للنادي الفوز بها.
وتندرج العقوبات المحتملة ضمن القاعدة “W.51” من دليل الدوري الإنجليزي الممتاز، والتي تمنح اللجنة المستقلة نطاقا واسعا من الخيارات عند ثبوت خرق القواعد.
لكن العقوبة النهائية لن تتحدد قبل استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، بما في ذلك أي استئناف قد يتقدم به مانشستر سيتي.
هل تستطيع الأندية الأخرى التدخل؟
لا تتوقف التداعيات المحتملة للقضية عند العقوبات الرياضية التي قد تفرضها رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز، إذ بدأت أندية أخرى في دراسة إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد مانشستر سيتي إذا ثبتت المخالفات واستمرت بعد مراحل الاستئناف.
وبحسب “ذا أثلتيك”، استعانت بعض الأندية بمحامين بارزين لدراسة حقوقها القانونية وتحديد ما يمكن المطالبة به، فيما تجري مشاورات بين عدد من الأندية بشأن الخطوات المحتملة.
وفي الوقت نفسه، تواصلت شركات قانونية مع أندية في الدوري الإنجليزي لإبلاغها بإمكانية المطالبة بتعويضات مالية إذا ثبت بشكل نهائي أن مانشستر سيتي خرق القواعد وألحق ضررا بمصالح منافسيه.
ومن بين الأندية التي قد تدرس هذه المسألة مانشستر يونايتد، الذي يمكن أن يبحث في حجم الإيرادات التي كان من الممكن أن يحصل عليها لو احتل مراكز أعلى في جدول الترتيب، فضلا عن العوائد المحتملة المرتبطة بالتأهل إلى دوري أبطال أوروبا.
كما قد تمتد المطالبات المحتملة إلى أندية مثل ليفربول وأرسنال، خصوصا في ما يتعلق بالمواسم التي نافست فيها على لقب الدوري وخسرته لمصلحة مانشستر سيتي.
وقد تتحول القضية، وفق السيناريوهات التي يطرحها الموقع، إلى نزاع قانوني واسع تشارك فيه عدة أندية، لكن أي تحرك من هذا النوع سيكون مرتبطا أولا باستكمال
إلى أي مدى أسهمت الأموال في صعود مانشستر سيتي؟
تُعد الجوانب المالية واحدة من أكثر النقاط أهمية في فهم التحول الكبير الذي شهده مانشستر سيتي منذ استحواذ ملاكه في أبوظبي على النادي عام 2008.
وبحسب الأرقام التي أوردها “ذا أثلتيك”، تلقى مانشستر سيتي تمويلا مباشرا تجاوز 1.2 مليار جنيه إسترليني (نحو 1.5 مليار دولار) من ملاكه خلال السنوات السبع الأولى التي أعقبت الاستحواذ.
وفي الفترة نفسها، ارتفع الدخل التجاري للنادي من 25.4 مليون جنيه إسترليني (نحو 33 مليون دولار) قبل الاستحواذ إلى 340.4 مليون جنيه (نحو 442 مليون دولار) بعده، متجاوزا بذلك جاره مانشستر يونايتد، الذي بلغ دخله التجاري 333.3 مليون جنيه إسترليني (نحو 433 مليون دولار).
وحقق مانشستر سيتي نموا تجاريا ضخما بلغ 1242%، وهي نسبة تعادل ضعف أعلى نسبة نمو حققها أي نادٍ آخر من أندية “الستة الكبار”، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
ولم يتوقف تدفق الأموال التجارية بعد انتهاء مرحلة التمويل المباشر، إذ واصل النادي تحقيق عوائد كبيرة من عقود رعاية مرتبطة بملاكه في أبوظبي، ومن بينها عقد “الاتحاد للطيران”.
وفي المقابل، جاءت صفقة توريد الملابس مع شركة “بوما”، والتي بلغت قيمتها 71 مليون يورو (نحو 77 مليون دولار)، أقل من عقود أندية كبرى أخرى مثل مانشستر يونايتد وأرسنال وليفربول، وشكلت نحو 20% من إجمالي الدخل التجاري لمانشستر سيتي.
ما الخطوة التالية؟
في المرحلة المقبلة، سيكون الانتظار سيد الموقف بالنسبة إلى الأندية الأخرى التي ترى نفسها متضررة من المخالفات المنسوبة إلى مانشستر سيتي، في وقت تتولى فيه اللجنة المستقلة مهمة تحديد العقوبة.
أما مانشستر سيتي، فمن المنتظر أن يواصل معركته القانونية للدفاع عن موقفه والطعن في الحكم، وفق المسار الذي تسمح به اللوائح.
وقال أليكس غودتشايلد، الخبير في القوانين المتخصصة بالرياضة والترفيه، إن الاستئناف، ما لم يتمكن مانشستر سيتي من تقديم حجج ناجحة، سيتركز على مراجعة إجراءات المحاكمة الأولية، وليس إعادة المحاكمة بصورة كاملة، الأمر الذي قد يجعل قبول أدلة جديدة أمرا صعبا.
ويبقى مستقبل القضية مرتبطا بما ستقرره اللجنة المستقلة بشأن العقوبة، وما إذا كان مانشستر سيتي سيتقدم باستئناف، ثم بما ستؤول إليه الإجراءات القانونية اللاحقة.

