يتوجه كبار الناخبين في فرنسا، اليوم الأحد، لتجديد نحو نصف أعضاء مجلس الشيوخ في اقتراع من المرجّح أن يُبقي أغلبية الغرفة الثانية من البرلمان الفرنسي في يد اليمين والوسط، مع احتمال أن يشكل حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف أول كتلة له في المجلس، قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية. وتستمر ولاية أعضاء المجلس ست سنوات، فيما يُجدَّد نحو نصف مقاعده مرة كل ثلاث سنوات. ويتنافس المرشحون اليوم على 178 مقعداً، بعدما انتُخب شاغلو المقاعد الـ170 الأخرى عام 2023 لولاية تنتهي في 2029.
يمثل المجلس الغرفة العليا من البرلمان الفرنسي، الذي تحمل غرفته السفلى اسم الجمعية الوطنية. ولا ينتخب الفرنسيون أعضاء المجلس عبر الاقتراع المباشر، كما يفعلون مع نواب الجمعية، بل تنتخبهم هيئة من الشخصيات المنتخبة يزيد عدد أعضائها اليوم على 93 ألفاً، أغلبيتهم الساحقة (أكثر من 95 في المئة) مؤلفة من أعضاء المجالس البلدية ومندوبيها. ولهذا تؤدي نتائج الانتخابات البلدية، التي أقيمت في مارس/ آذار الماضي وشهدت تقدماً لـ”التجمع الوطني” وحلفائه، دوراً كبيراً في رسم خريطة المجلس.
وتستمد الانتخابات الحالية جزءاً من أهميتها من إمكانية تشكيل “التجمع الوطني” أول كتلة له في المجلس، الذي يشغل فيه الحزب ثلاثة مقاعد حالياً. ويحتاج الحزب إلى رفع عدد أعضائه وحلفائه إلى عشرة على الأقل لتشكيل هذه الكتلة، التي من شأنها أن تمنحه صلاحيات ونفوذاً أوسع، مثل طرح مقترحات قوانين في جلسات مخصصة للكتل البرلمانية، أو تشكيل لجنة تحقيق في ملف يختاره.
ويستند المراقبون الذين يقولون بهذه الفرضية إلى تقدم الحزب في الانتخابات البلدية الأخيرة، التي أسهمت في رفع رصيده من أعضاء المجالس البلدية ومندوبيها الذين يصوتون في اقتراع اليوم. كذلك يبنون حساباتهم هذه على تحالفات بدأ الحزب عقدها خلال الأسابيع الماضية مع تيارات أخرى من اليمين المتطرف واليمين، من أجل ضمان دعمهم في عدد من الدوائر التي لا يملك حظوظاً كافية فيها.
وتعرف قيادات الحزب، قبل غيرها، أن بلوغ الرقم المطلوب ليس أمراً مضموناً، ما يدفعها إلى التقليل من أهمية هذا الموضوع في خطابها الإعلامي. وهو ما يكرره متحدث باسم مكتب زعيمة الحزب، مارين لوبان، لـ”العربي الجديد”، قائلاً إن “التجمع الوطني” لم يضع لهذا الاستحقاق سقفاً أو هدفاً معيناً. ويضيف: “ما نسعى إليه توسيع تمثيلنا في المجلس. كل مقعد جديد سيكون انتصاراً في مكان ما”.
دور مجلس الشيوخ
ويأتي المجلس بعد الجمعية الوطنية من حيث الوزن السياسي والتشريعي. فهو لا يملك، مثلها، صلاحية إسقاط الحكومة، ولا يملك الكلمة الأخيرة في إقرار القوانين، إذ يحق للحكومة، عند استمرار الخلاف بين المجلسين حول الصيغة النهائية لقانون ما، أن تطلب من الجمعية الوطنية حسم التصويت وحدها.
لكن ذلك لا يعني أن دور المجلس شكلي، إذ يُسهم أعضاؤه في مناقشة القوانين ومشاريع الحكومة وإدخال تعديلات عليها، كذلك يستطيعون اقتراح قوانين، وتسريع تمرير بعضها أو عرقلة أخرى. ويؤدي المجلس، إلى جانب ذلك، دوراً رقابياً على عمل الحكومة، إذ تستدعي لجانه الوزراء والمسؤولين لمساءلتهم والاستماع إليهم. كذلك تبقى موافقة أعضائه ضرورية لتعديل الدستور وإقرار القوانين التنظيمية الخاصة به، فضلاً عن أن رئيسه يتولى مهام رئيس الجمهورية مؤقتاً في حال شغور المنصب، إلى حين انتخاب رئيس جديد.
ازدادت أهمية المجلس بعدما خسر معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية عام 2022، وخسر معها قدرته على تمرير مشاريع الحكومة وقوانينها بأصوات نوابه وحدهم. ومنح هذا التراجع اليمين، الذي يهيمن على مجلس الشيوخ، قدرة أكبر على فرض مطالبه على الحكومة، التي باتت تحتاج إلى أصوات نوابه في الجمعية الوطنية لإقرار عدد من مشاريعها. وكان قانون الهجرة عام 2023 من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ قبلت الحكومة ببعض التعديلات المتشددة التي أضافها “الشيوخ” في مسألة إقامة الأجانب أو تسوية أوضاعهم، مقابل الحصول على أصوات نواب حزب “الجمهوريون” اليميني في الجمعية الوطنية.
دوائر الجنوب وحسابات اليسار
وتتجه الأنظار إلى عدد من الدوائر المهمة في جنوب البلاد، مثل بوش دو رون وفار وفوكلوز، التي يتنافس فيها “التجمع الوطني” مع اليمين التقليدي ممثلاً بحزب “الجمهوريون”. ويرجّح موقع “بوبليك سينا” الإخباري، التابع لمجلس الشيوخ، أن يخسر “الجمهوريون” ما بين 3 و10 مقاعد، بعضها لمصلحة اليمين المتطرف، مع احتفاظهم بأكبر كتلة في المجلس (131 عضواً حالياً). وقد يستفيد أيضاً من تراجعهم النسبي هذا، حلفاؤهم في تجمع “الاتحاد الوسطي”، الذي يأمل توسيع حضوره ليتجاوز الاشتراكيين ويصبح ثاني أكبر كتلة في المجلس.
