بدأت دول أوروبا تتحرّك أمنياً بعدما شهدت، أمس الجمعة، سلسلة من بلاغات كاذبة بوجود قنابل، عقب عشرات البلاغات المماثلة هذا الأسبوع، استهدفت رحلات جوية تجارية ومؤسسات إعلامية في أيرلندا، بالتزامن مع هجمات إلكترونية طاولت في الأسابيع الأخيرة مشاريع بنية تحتية كبرى، وصولاً إلى تسريب بيانات مسؤولين حكوميين.
وأعلنت النيابة العامة في باريس، فتح تحقيق في بلاغات كاذبة بوجود قنابل استهدفت طائرات تحلق فوق الأراضي الفرنسية، يبحث خصوصاً في احتمال وقوف قوى أجنبية خلفها، فيما اتهم وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، اليوم، متسللين إلكترونيين مؤيدين لروسيا بنشر بياناته الشخصية على “الإنترنت المظلم”، أو (دارك ويب). وقالت النيابة العامة الفرنسية رداً على استفسار وكالة فرانس برس، إن التحقيق “يجري للكشف عن مرسلي الرسائل الإلكترونية التي تضمنت هذه المعلومات الزائفة للإيحاء بوقوع دمار خطير، وعن صلتهم المحتملة بقوى أجنبية”.

واستدعت الإنذارات في أنحاء أوروبا تحويل مسارات طائرات ومرافقتها بمقاتلات وإخلاءها وتفتيشها. وجرى تحويل مسار طائرة تابعة لشركة “إير لينغوس” إلى مدينة إيفرو إثر تلقي إنذار بوجود قنبلة. وأعلن مكتب رئيس الوزراء الفرنسي الجمعة عن تلقي أربعة إنذارات جديدة تتعلق بطائرات كانت تحلق فوق الأراضي الفرنسية، لافتاً إلى أن فرق إزالة المتفجرات أجرت “عمليات تفتيش أمنية” لها. وأفاد مصدر مطلع بهبوط ثلاث من هذه الطائرات في مطار أورلي، بينما هبطت الرابعة في بوردو، وجميعها هبطت بسلام. ولم يُعثر على أي عبوات ناسفة في أي من الحالات بعد عمليات التفتيش المتخصصة.
الإنترنت المظلم
وفي روما، قال تاجاني، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيسة الوزراء، في منشور على منصة إكس، إنّ “دعم حرية واستقلال دولة ذات سيادة بشفافية” جعله هدفاً للهجوم، مضيفاً أن المتسللين الإلكترونيين يسعون للحصول على مزيد من المعلومات عنه وعن أسرته ومستعدون لدفع أموال مقابل ذلك.

وذكر أن الهجمات جاءت أيضاً ردّاً على جهود وزارة الخارجية في تعزيز الأمن السيبراني، فيما أظهرت لقطات شاشة اطلعت عليها وكالة رويترز صورة تاجاني ضمن قائمة تضم 18 “مواطناً معادياً لروسيا الاتحادية”، شملت أيضاً خبراء في الأمن السيبراني. وقال مصدر مقرّب من الوزير لـ”رويترز” إن هذه المواد عثر عليها في قطاع من الإنترنت المظلم يمكن الوصول إليه عبر شبكة “تور”، وذلك في إطار أنشطة المراقبة التي تنفذها سلطات الأمن السيبراني.
وعبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي تعد من أقوى الداعمين لأوكرانيا بين القادة الغربيين، عن دعمها لتاجاني، وقالت إن بيع معلومات سرّية تخص مسؤولين حكوميين “أمر يبعث على قلق بالغ”. في المقابل، لم تعلق موسكو على الواقعة. وتنفي روسيا باستمرار أي ضلوع لها في هجمات إلكترونية أو عمليات قرصنة في الخارج.
تزايد الهجمات الهجينة في أوروبا
وفي دبلن، قال رئيس الوزراء الأيرلندي، مايكل مارتن، إنه لا يعتقد أن القمتين الأوروبيتين المقرر عقدهما خلال أيام معرضتان للخطر بسبب الموجة الأخيرة من التهديدات بوجود قنابل التي استهدفت شرطات الطيران ومؤسسات إعلامية أيرلندية. وقال مارتن، في بيان، مساء أمس الجمعة، إنه لا يزال من المبكر للغاية قول ما إذا كانت روسيا وراء التهديدات الكاذبة بوجود قنابل ضد وسائل الإعلام الأيرلندية. وأضاف: “هناك اعتقاد عام أن الزيادة في الهجمات الهجينة مرتبطة بروسيا”، بحسب وكالة الأنباء البريطانية “بي إيه ميديا”.
ومن المتوقع حضور نحو 50 قائداً أوروبياً قمة المجموعة السياسة الأوروبية في دبلن الخميس المقبل، كما ستُعقد قمة غير رسمية لقادة الاتحاد الأوروبي في العاصمة الأيرلندية يوم الجمعة المقبل. كما طاولت الهجمات الإلكترونية مشاريع بنية تحتية كبرى في أوروبا. وأعلنت شركة “بي بي تي” المسؤولة عن إنشاء “نفق برينر الأساسي” للسكك الحديدية، الذي يربط بين النمسا وإيطاليا، أنّ مجهولين تمكّنوا من الوصول إلى أجزاء من البيانات المتاحة عبر الإنترنت. وقال متحدث باسم الشركة لوكالة الأنباء الألمانية “د ب أ” إن هذا الهجوم الإلكتروني الموجه، الذي وقع في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يشكل أي خطر على أعمال إنشاء النفق، الذي يبلغ طوله 64 كيلومتراً، أو على تشغيله مستقبلاً؛ ولفت المتحدث إلى أن البيانات شديدة الحساسية لم تتأثر بالهجوم. ولم يدل المتحدث بأي معلومات عن هوية الجناة المحتملين أو الدوافع وراء الهجوم.
وتتولى السلطات الإيطالية التحقيق في الواقعة، نظراً إلى أن مقر الشركة يقع في مدينة بولزانو شمالي إيطاليا. ويُعد “نفق برينر الأساسي” أحد مشروعات البنية التحتية الأوروبية المهمة. ومن المقرر أن يبدأ تشغيل هذا المشروع، الذي تبلغ تكلفته 11.7 مليار يورو، اعتباراً من عام 2034، بما يسهم في تقليص زمن الرحلات بين ألمانيا وإيطاليا بصورة كبيرة.
وكان مشروع “نفق فيمارن بلت”، الذي يربط بين ألمانيا والدنمارك، قد تعرّض هو الآخر لهجوم إلكتروني في منتصف الشهر الماضي. وأعلنت الشركة المشرفة على المشروع “فيمارن إيه إس” أن الهجوم الذي استهدف الشركة المنفذة للأعمال، “فيمرن لينك كونتراكتورز”، أثر مؤقتاً على عدد من أنظمة تكنولوجيا المعلومات في موقع البناء. ومن المقرر أن يربط هذا النفق، الذي يبلغ طوله نحو 18 كيلومتراً، جزيرة فيمارن الألمانية الواقعة في بحر البلطيق بجزيرة لولاند الدنماركية، بما سيؤدي إلى تقليص زمن الرحلة بالقطار بين هامبورغ وكوبنهاغن إلى نحو ساعتين ونصف الساعة.
